Yahoo!

مطلوب خصوصية

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:08 م

مطلوب خصوصية
  
    أمي .. أمي "
كرر النداء مرة أخرى عندما لم يحظ بإجابة فورية ، كعادته ، دائماً ، ودائماً كان يُنهر من كل أفراد العائلة بسبب ذلك .
    أمي ! .. أمي ! "
رفع نبرة صوته هذه المرة بحدة أكثر ودون فاصلة : " أمي ! أمي ! أمي ! " وهو يدور في أرجاء الشقة الصغيرة باحثاً عنها .
بدا عصبياً أكثر من المعتاد وقد شاب لهجة نداءه قلق ما ، لم يعتد ألا ترد عليه أمه وفوراً ، فالشقة الصغيرة المؤلفة من ثلاث غرف وصالون صغير والتي لا تتجاوز مساحتها الإجمالية حتى مع شرفتها الصغيرة التسعين متراً ، لا يمكن أن تحجب نداءه العالي ولا حتى نداءه الهامس عن كل فرد من العائلة في أي ركن كان ، وحتى عن كل فرد من الجيران في الشقق المجاورة والتي في الدور الأدنى أو الدور الأعلى ، فهي على قول أمه : " علب كبريت ، الحمد لله على كل حال ، أفضل من لا شيء ، أو من بيوت الأجرة ! " .
" هديل ! أين أمك ؟ " سألها وعضلات وجهه المدور تزداد تقلصاً وحاجبان يشكلان رقم ثمانية " كما تصفه أختاه دائماً لتستفزاه انتقاماً من معاكساته .
أجابته هديل أخته التي تكبره بعدة سنوات ، بشيء من النزق : " يعني أين يمكن لها أن تكون !! اذهب إليها في غرفتها ! " .
     ـ ليست في غرفتها ! " .
     ـ في المطبخ ! "
 قالتها بمزيد من الضجر ،
    ـ " ليست في المطبخ ! "
 ـ لست أدري : اذهب وابحث عنها ! ألا ترى  أنني مشغولة " .
خرجت الأخت الكبرى من الغرفة المجاورة ، غرفة الضيوف التي احتوت مجموعة أرائك ومكتبة ضخمة بالنسبة للمكان لكنها بسيطة وأنيقة ، بركن يضم نباتات زينة منزلية خضراء ، لقد اضطرت الأسرة لاستغلال زاوية من الغرفة على ضيقها ليفترشه مكتب هبه الابنة الكبرى عندما دخلت الجامعة ، لتدرس عليه وتحتفظ فيه بكتبها ودفاترها وأدواتها ، إذ لم يعد بالإمكان أن تجتمع مع أختها وأخيها في غرفة واحدة للدراسة ، لقد ضحت أمهم بأناقة غرفة الضيوف من أجل منع قيام الحرب العالمية الثالثة في الشقة الصغيرة بعد ظهر كل يوم ، ولكنها اشترطت عليها أن تحافظ على ترتيب المكتب ، خشية مداهمة أحد الضيوف ، " وقفش " المكان في حال فوضى مزرية ، والسبب الثاني للتضحية كما قالت لها أمها : " سوف أحاول توفير شيء من العزلة للخصوصية اللازمة للتركيز في الدراسة ، فأنا أعرف كم هذا مهم " .
خرجت إذاً هبة غاضبة متوجهة مباشرة إلى أخيها الذي كان يدور مثل دمية ميكانيكية :
ـ  ما بك ؟! ألا يستطيع المرء أن يهنأ بشيء من الهدوء في هذا البيت ؟! يا أخي إذا لم يكن عندك دراسة ، غيرك عنده ! أتفهم ؟! حاول ألا تكون أنانياً
والتفتت إلى هديل :
ـ  وأنت ، ألا تعلمين أن صوت موسيقى مسجلتك يصل إلي كما هو ؟! " ألا يكفي تلفاز أبيك ؟! "
قاطعها الصغير بنبرة توحي بأنه سيبكي :
ـ  " أمك !! أين أمك ؟ … لا أجدها في البيت !! "
"ـ  ما هذا الكلام ؟! هل سألت والدك ؟ "
"ـ  إنه يتابع الأخبار ولم يرد علي .. إن سألته مرة أخرى سيغضب " .
"ـ  يعني أين ستكون ؟! لعلها في الحمام ! "
"ـ  ليست في الحمام أيضاً .. "
 ولم تنتظر جملته الأخيرة واستدارت باتجاه الحمام وقصدته ببضع خطوات .. الحمام كان مضاءً كالعادة دائماً .. فهم ينسونه ثلاثتهم رغم تنبيهات الوالدين :
ـ " لست أنا ! " ، " ولا أنا " ، " ولا أنا بالتأكيد ..
تجيب أمهم :
ـ  " إذاً فهو أنا !! " تقولها بنبرة المغلوب على أمره
لحق الاثنان بأختهم الكبرى حيث يجلس والدهم على أريكة مختصرة شأن كل البيت وأشياءه ، قبالة التلفاز وبيده جهاز التحكم لا يفصل بينهما أكثر من متر ونصف المتر ..
بادرهم بالسؤال دون أن تفارق أنظاره الشاشة : " ما بكم ؟ "
" أين ماما ؟ "
أجابها بنبرة حيادية : " كانت تجلس إلى جانبي منذ قليل .. أنامت ؟ "
" بابا .. ماما ليست في البيت !! " تهدج صوت عمار عند هذه الجملة التي جعلت والده يرفع نظره من على الشاشة الصغيرة إليهم وقد انتصبوا ثلاثتهم أمامه في الصالون الصغير الذي يؤدي إلى غرفة الأولاد ، والذي شغلوه كغرفة للمعيشة والطعام والسهرة ، وحتى لاستقبال بعض الضيوف إن شغلت الغرفة الأساسية بضيوف الأب ، كل زاوية من المكان استغلت إلى أقصى حد حتى الجدران شغلتها رفوف للكتب التي ضاق بها المكان على ضيقه ، ومع ذلك لم يخل من لمسة أناقة تتسم بالبساطة الراقية ، قطع خزفية ناعمة تناثرت في الزوايا على الرفوف ، زهريات ورد بعضها ملئ بتشكيلة من الورود البرية المجففة بتنسيق جميل ، وتركت زهرية في كل غرفة من أجل ورود الموسم الطبيعية ، قالت الأم : " همٌ وفوقه غم ؟! لا والله !! إن كنا بعيدين عن الطبيعة فعلى الأقل نسمة منها .. وفرشت طاولة الطعام الصغيرة بمفرش أبيض طرزت عليه ربة " الشقة " عناقيد عنب وأوراق خضراء : " هذه دالية عنب ، يافعة صيفاً وشتاءً "
اعتدل الأب في جلسته بعد أن كان يميل بجسمه كله إلى الأمام منهمكاً بمتابعة برنامج سياسي .. نظر إليهمثم نهض وهو يتمتم : " يعني فتشتم كل البيت؟! "
وهمست هديل لأختها الأكبر : " فتشنا قصر السلطان عبد الحميد كله واستعملنا المكبرات .. "
لكزتها هبة بكوعها وعضت على شفتها السفلى محذرة .
دخل غرفة نومه وظلوا ثلاثتهم عند الباب لأن الفسحة المتبقية منها بين السرير والخزانة وطاولة الكومبيوتر لا تسمح بمرور أكثر من واحد منهم ، أو أن يصطفوا طابوراً مؤلفاً من فردين .
" ماذا كانت تفعل ؟! ألم تقل لك شيئاً ؟! هبة ! هبة ! أنت ! " وانتبهت من شرودها فتلعثمت
" لا .. لا لم تقل ! كانت في غرفة الضيوف قبل قليل ، جلست أمامي قليلاًثم خرجت .. أظن إلى المطبخ … "
قالت هديل : " نعم .. لحقت بها إلى المطبخ .. لم تكن تضع العشاء .. لا أدري ماذا كانت تفعل أردت أن أخبرها بشيء .. لم تكن تصغي إلي .. وفجأة طلبت مني أن أعود لغرفتي .. لوظائفي أقصد .. "
كانوا يتحدثون إلى والدهم وهم يدورون ورائه من مكان إلى آخر .. فتح باب الحمام المضاء دائماً .. لم تكن هناك .. قال عمار : " دخلت ورائها إلى الحمام أسألها شيئاً .. لم ترد علي ، نظرت إلي طويلاً ثم خرجت .
استُغلَّت جدران المطبخ وحتى الحمام لبعض خزن تتسع للأدوات الأساسية لهذا وذاك ، المطبخ يكاد لا يتسع لأكثر من فردين ، والثالث يصبح عبئاً يعيق الحركة ويسبب الإرباك ، الثلاجة في زاوية والفرن في الأخرى ومنصة الحوض على جانب وعلى ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حالة وعي

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:03 م

حالة وعي
قصة : سمر حمود شيشكلي
 
 
 
 
 
 
 
 رن جرس هاتفه بعد ظهر ذاك اليوم فاستأذن ضيوفه ليرد عليه ، وأتاه صوت طبيبه :
" مر بي اليوم " ولكن ما الخطب ؟ بالتأكيد هي نتائج التحليل ، أليس بالإمكان إخباري على الهاتف ،الآن؟"
" الأفضل أن أشرح لك بعض الأمور لتفهم بعض الأشياء… "
" أمر غداً صباحاً … سأحاول التملص من الوزارة .. حاضر .. حاضر .. أكيد صباحاً . "
 أغلق الخط دون أن يشغل باله بأكثر من فكرة أنَّ طبيبه درس في الغرب ، وله سياسة أهل الغرب من أطباء في إدارة أمور مرضاهم وفي طريقة التعامل معهم .. مزيد من السياسة ومزيد من التدقيق .
سألته زوجته عندما كان يستعد للنوم في وقت متأخر من
الليل فأجابها بأنه لا شيءأكثر من " ولع الطبيب بالتفاصيل والجزئيات ، تعرفينه أكثر مني ، ثم أنه إرهاق الحياة المجنونة
التي نحياها " .
" أرجوك أن تهتم أكثر " - قهقه بأسلوبه الساخر وقال لها " لا بد وأن الدواء الذي سيصفه لي هو رحلة استجمام " .
جلس عليٌ أمام طبيبه مذهولاً تماماً بعينين زائغتين بعد أن أنصت لقراءته لتقرير المخبر يشرحه له بنبرة حاول أن تكون علمية ، حيادية ، وموضوعية قدر الإمكان : " سرطان عظام والحالة ليست مبكرة " .
        وعندما وجد صوته الذي تيبس في حنجرته : " ولكني لا أشكو جدياً من شيء محدد ! "
شكواه لم تتعد حدود أعراض العصر من إرهاق وآلام ودوخة كان يعالجها بالمسكنات وبعض المقويات ، هذا إن تذكر أخذها في زحمة العمل الخانقة .. لكن ذلك كان آخر ما يمكن أن يخطر له .. وما خطر له أبداً ..
كان مشغولاً إلى حد كبير .. إلى حد أنه لا يملك الوقت ، حتى للموت .. ! ، والموت الآن وجهاً لوجه معه ، يقف أمامه متحدياً : تنساني .. ولا أنساك " .
كيف غاب هذا عن باله .. آه .. حقاً !! ، " لم يكن يعر هذه النقطة أي اهتمام ، ولو سئل لأجاب: " طبعاً الموت حتمي ، وهو قدر كل الكائنات " .
وكأن هذه الحقيقة المطلقة صارت من البداهة بحيث أنها عجنت مع عجالة الأيام في عصرنا ، بات المرء لا يملك لا الوقت ولا الرؤية الصالحة لإدراكه بوجدانه وإن وعيه عقله تماماً .
ذُهل عليٌ تماماً أمام هذه النتيجة ، وشعر ببرودة جليدية تمس كل ذرة في كيانه ، وتوقف ذهنه بتأثير هذا الجليد ، خرج من عند الطبيب يكاد لا يعي ما قاله عن خطوات العلاج التالية بعد أن رماه بالخبر .
وجر أقدامه ثقيلة واهنة إلى سيارته ، وجلس خلف المقود وهو ما يزال تحت تأثير هذا الذهول وراح ينظر للمارة ذهاباً وإياباً ويجول ببصره بينهم وبين السماء والأرض وأشجار الحديقة على جانب الطريق ، كان يرى كل شيء بعين جديدة غريبة عليه ، وإحساس لم يعهده من قبل ، كان كمن يقف خارج هذه اللوحة لا يمت لها بصلة .
        ثم هام على وجهه يقود سيارته في شوارع المدينة يراها لأول مرة من منظاره الجديد
 هذا . كان مشتتاً وقبضة قاسية تعصر قلبه فتحرم عقله أن يهدأ ليفكر بطريقة منطقية كما اعتاد.
أول ما خطر له من الأفكار المعقولة هي أن يستفرد بهول الحقيقة وحده ، ليتمكن من السيطرة عليه ، خشي أن يرى الجزع في عيني زوجته وأولاده فيجبن أمامه .
عندما دخل غرفة نومه ذلك المساء ، ونظر إلى الركن الذي أثثه من أريكتين وإضاءة جانبية خافتة حالمة ، ليكون ركن المناجاة للترويح عن عناء النهار ، أحس بشوق وحنين لهذه الأيام التي بدت له ماضياً سحيقاً ، لقد سرقه العمل وزحمة الصعود حتى من تلك الهنيهات الصافية التي يسترد فيها المرء قدرته وشجاعته و … نفسه .
وعندما بدأت رحلة العذاب الطويلة لم يعد الأمر سراً على أحد . عذبته الدموع الغزيرة واللهفة والجزع في عيني زوجته ، لكن الرحلة الأصعب كانت داخله هو ، لقد وضعه هذا الحدث الفصل أمام نفسه ، وكأنه أمام مرآة ينظر إليها ويتعجب . " أهذا حقاً أنا ؟ " .
وكأنه يرى شخصاً يتعرف عليه لأول مرة ، وبدت العلاقات التي وازنت عالمه الداخلي وعالمه الخارجي فجأة شيئاً واهياً وكأنه ينتبه لشبكة العنكبوت هذه الآن فقط .
وكأنه كان فاقداً لذاكرته ناسياً ذاته الأصل وهي تطل بوجود حقيقي على عالمه الذي بدا له أنه كان دخيلاً عليه ، بدأ يتأرجح بين اليأس والأمل ، وانصبغت رؤياه بلون رمادي قاتم ، وشعور بالحنق أثقل فؤاده بقوة طارئة مبهمة .
لاحت له فكرة الموت كطائر جارح يحوم فوق رأسه أبداً، وللمرة الأولى بدأ يفكر بهذه الحقيقة بطريقة ما عهدها ، ماذا بعده ؟_! أهو العدم ؟ _!
حياته في هذا العالم هي كل شيء ، أما الموت فكان دائماً فكرة مؤجلة ، وكأنه بتأجيله التفكير فيه يبقيه في حالة الانتظار طويلاً ، ولن يجرأ هذا الموت على مقاطعة عالمه الذي انهمك فيه قبل أن يأذن هوله ، وكأن التفكير بالموت هو الذي يعطيه السلطة لإنهاء حياتنا ، بدأ الحنق يتحول إلى شعور مرّ فقد معه كل حلاوة الحياة مع أنه لم يملك يوماً الوقت الكافي ليشعر بحلاوة نبض الحياة الحقة من حوله ، لقد أجل كل شيء حتى الموت لأنه مشغول ، وتحولت عُجالة الأيام إلى عجلة داست معها كل الأشياء الجميلة في حياته وسلبتها طعمها ولونها ورائحتها الخاصة
الحميمة . بعد كل جلسة علاج كيميائي يتلقاها ، ولشدة هولها يتملكه مع آلامه شعور أكبر بندم لم يعرف هويته بعد .
وبدأ الخوف من المجهول يزحف رويداً رويداً ، واكتشف بذلك أن المخاوف البدائية التي يحملها الإنسان ، كإرث خاص بجسمه ، هي كامنةٌ تنتظر فرصتها ، وعلى الأغلب في حالته هذه سنحت لها الفرصة لتطل برأسها .
إلى أين ؟ كيف ؟ ما المصير ؟ أسئلة طرقت عقله بقسوة ، حاول أن يتذكر أشياء تلقاها في سني عمره المبكرة عن العالم الآخر .. لكنها كانت أشياء مضطربة مشوشة ، لقد عود نفسه أن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يوليس قيصر

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:26 م

يوليوس           قيصر                       
 
 
 
 
 
 
 
ما الذي جعل رأسه يطل من خلف غيمات خريفية زينت سماء طريقها إلى ضيعتها الجبلية ذاك اليوم …؟
لم تفارقها هذه اللوحة طوال الطريق .. ورغم أن الطريق انعطفت بها مرات لا عدد لها إلا أن رأسه المتوج بهالة من الشعر الأبيض ووجهه الوردي بابتسامته الهادئة التي تند عن أسنان أنيقة احتل صفحة السماء أمامها دائماً وبإصرار .. وتتزاحم الغيمات المندوفة دون أن تستطيع التغلب على سيطرة إطلالة رأسه المتوج ، فتجلل الصورة بشجن غريب .
نبض قلبها بحنين جارف يغمر حنايا صدرها .. ويقفز شوقاً إليه مثل العصفور الدوري النزق الذي حار بين الصفصافة القريبة وبين إبريز نافذة غرفتها فأخذ يتنقل بينهما بعصبية وصخب .
وسعدت لإصراره على مرافقتها الطريق الأمر الذي جعل للألحان المنبعثة من جهاز الراديو في سيارتها وقعاً آخر شجي ساهم في تحليق أحاسيسها ، وظلت ترمق السماء من آن لآخر أثناء القيادة لتتأكد من وجود طيفه خلال غيماتها البيض الساهمات إلى أن تصعدت تلك الأحاسيس مع ألحان أغنية إلى حالة مرهفة شفافة جعلت دمعتي شجن تغافلاتها وتفران من مقلتيها قبل أن تنتبه إلى صدهما ..
أين أنت يا " يوليوس قيصر العصر " ؟ هكذا كانت تدعوه … وفي محاولة للتخفيف من ألمه بالسخرية من الألم نفسه كان يرد " يا لعبء هذا الزمان .. أو هناك يوليوس قيصر آخر لهذا العصر أيضاً ؟! ، “ هناك هو لكل زمان ولكل مكان “ ، “ أنت قيصر الذي اغتالته يد أهله ويد الصداقة الحميمة يا صديقي .. "
“ أو كنت تعتقدين أن البشرية تغيرت بخيرها وشرورها عبر القرون ؟!! تلك القضايا الأزلية التي يدور حولها صراع البشر ، وينقسم فيها الناس إلى معسكرين يتبادلون الأدوار في مسرحياته الخالدة خلود الإنسانية نفسها ، فترين ذاك الذي مثل دور الخير هنا ، يمثل هو نفسه دور الشر هناك على محور آخر ومشهد آخر لنفس مسرحية الحياة ومع أنه ليس هناك أبيضٌ أبيض ، ولا أسودٌ أسود ، إلا أن التدرجات اللونية هذه تجعلها جديرة بأن تكون تحد كامل لبشرية ابن آدم التي تنزع دائماً للتشبه بالكمال ، فنراها تفشل هنا وتنجح هناك كسنة كونية لا تبديل لها .
تلك القضايا لم ولن تتغير في جوهرها وإن تغير مظهرها وفقاً للعصر الذي تنتمي إليه في كل مرة “ دخل يوليوس قيصر الأكربول ذاك اليوم ببذلته الرسمية وربطة عنقه الأنيقة .. أتى اليوم هذا المحفل ليحضر محاكمته ويسمع قضاته يناقشونه ويستجوبونه .
حذرته العرافة بالأمس : " احذر منتصف شهر آذار ! " وسخر منها وقهقه قائلاً :
" أو جئت تتنبئين في زمن ليس للتنبؤات فيه مكان ؟!"
ولكن كان اليوم بالفعل هو الخامس عشر من آذار .. وقف بقامته المديدة باتزان ووقار منحته إياه ميزاته الفطرية الخاصة إضافة إلى ما اكتسبه من ثقافة وعلم ، واثقاً من عدالة حجته وقوتها وصدقها ، فهي نابعة من إخلاصه لقومه ودأبه على العمل والبذل في سبيلهم .
وقف وسط القاعة ووجهه إلى سدة قضاته وخلفه المدرج الصغير الذي جلس عليه عليّة القوم ومن بينهم أصدقائه وأهله .. أدار ظهره لهم وباله مرتاح أنه محمي بالحق الذي شهدوا جهده وإخلاصه وطموحه في سبيله ، عقد ذراعيه خلف ظهره وأغمض عينيه مبتسماً واثقاً .. يراجع في ذهنه ما سيرد به على تساؤلاتهم .. استجوابهم الذي قال لآخر لحظة بأنه تساؤلات ..
اتسعت ابتسامته لتندّ عن عن أسنانه الأنيقة حين دخل صديقه ورفيق درب كفاحه وشريك أحلامه بروتوس .. ولكن بروتوس كان برفقة اثنين من أكثر خصومه ضراوة .. فجمدت ابتسامته لثوان قليلة ..
وشردت ألحاظه لوهلة طرد بعدها تلك الهمسة الخفيّة المحذّرة ، ورفض الاستماع لها ..
وبدأ المدرج يمتلأ بالنظارة من الذين قد يؤخذ بآرائهم .. ثم أغلقت أبواب المجلس ووقف عليها الحراس .. ومع ذلك لم يسمح للريبة أن تحتل أي جزء من إحساسه ، عندما حلّفه صديقه أنطونيو ألا يذهب ، وأن يعير تحذير العرافة له شيء من الاهتمام .. سخر من أوهامه .. هكذا وصفها .. وأصر على الحضور .. فهي جلسة نقاش كما قيل له .. ثم فإنه قد قضى عمره في خدمة بلاده والسهر على مصلحة أبناءها .. وإلا ما وصل إلى ما وصل إليه الآن .. “ ولكنك أغضبت الكثيرين بسيف قلمك ولن يغفروا لك هذا " ، " حتى ولو اختلفنا .. تبقى مصلحة الأمة هي المعيار وفوق كل اعتبار .. وعلى العموم الاختلاف فن من الفنون .. أفلا نتقنه ؟! " ،
ثم استطرد : " يعرفون تماماً أني لم أكن يوماً لأخون مبدأي .. أخطأت أم أصبت هذا شأن آخر تماماً .. "
" أرجوك .. حاول أن تغير المنظار الذي تتناولهم به..“
لم يتصور " يوليوس قيصر " أن الخنجر الذي سيودي به إلى حتفه كان من صنع يده ، أجل لقد طرق معدنه بساعديه بعد أن قام بتحميته كالجمر وشكله بيده خنجراً جميلاً أنيقاً وزينه بحجارة كريمة من ماله الخاص .. مؤمناً بأن هذه الصنيعة هي خدمة لوطنه وسلاح لمعركته .
"

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

واقع وحلم

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:25 م

واقــــع وحلـــــم           
 
 
 
 
 
 
 
وقفت بباب مكتبه بقامتها الممشوقة تنظر إليه بثبات ، محاولة ربط صورته التي في خيالها بواقع ما تراه .
كان جالساً وراء مكتبه الذي يتصدر الغرفة ، وقد أحاط به بعض الموظفين .
أدارت الطرف من بين الأكتاف لتتبينه ، سمعت صوته يتواتر بين نبرة الجد والحدة وبين نبرة الهدوء الصارم .
لمحها واقفة بالباب ، حدق بها أجزاء من الثانية فمسته هيبة وقفتها المشدودة ، فأرسلت عيناه نظرة ذاهلة تحية للجمال الرائق ، ورغم تقطيبته ، إلا أنها قبضت على شبح ابتسامة ترتسم على وجهه ، قطع حواره مع الجميع ليقول لها بنظرة لم تخف عليها معاني الدهشة فيها : " تفضلي يا آنسة " ، مشيراً إلى كرسي في الزاوية اليمنى للمكتب ، استدار الجميع ليروا من كانت السبب في تغيير نبرة صوته ، ومشت بضع خطوات حرصت على أن تكون ثابتة كي لا تكشف اضطرابها
أكمل إعطاء تعليماته بسرعة بدا أنها متعمدة حتى خرج الجميع .
لابد وأنه لم يتذكرها ، لم ينتبه أنها هي من أزعجه هاتفها بالأمس في الصباح الباكر .. وأنها هي من صرخ في وجهها طالباً أن تغلق الخط ، وإلا لطردها الآن أو على الأقل لأهمل وجودها .
" الحمد لله .. بداية طيبة " حدثت نفسها
" أهلاً وسهلاً .. خير يا آنسة ؟ "
في تلك اللحظة التي كان عليها أن تجيب فوراً وبوضوح كانت أفكار عدة تختلط في ذهنها ، والدهشة كانت هي الشعور المسيطر .
دخلت مكتبه خائفة ولكن مستعدة .. كانت تتوقع ما أن تنطق باسمها حتى يطردها ، ومع ذلك عرّفته بنفسها فوراً كي لا تعقد الأمور ويتهمها بخطأ التضليل فوق خطأ الإزعاج .. أسرعت
قائلةً : " أرجوك أن تقبل اعتذاري عن الإزعاج الذي سببته لك صباح البارحة ، ليس لي حاجة سوى أن أعتذر "
وبدا وكأن قدرتها على السيطرة على نفسها بدأت تتهاوى فاحمرت وجنتاها وتاهت نظراتها في أرجاء الغرفة ، وبدا صوتها مرتجفاً وهي تسرع بإخراج الكلمات قبل أن يقطع عليها الطريق وتضيع منها الفرصة كما ضاعت على الهاتف .
ثم وقفت استعداداً لتغادر ، إلا أنها لمحت نظرته المدققة الباسمة ، فساعدها ذلك على لم شتاتها
" هذه أنت إذاً ! " استعانت بروحها المرحة وجرأتها المهذبة التي تعذر استحضارها بيسر
" اعتذر ، ولكني جئت لأبرر ، حتى لا يبقى لإسمي في ذاكرتك أي أثر سيئ " وبدا لها أنه حتى لم يتذكر الاسم أو هكذا خيل إليها .
" إنني لا أعرف يا أستاذ غير رقم هاتف بيتك ، واضطررت للاتصال المبكر بعد أن فشلت في أن أجدك مساءً أو حتى ظهراً ، فقدَّرت أنك تغادر للعمل باكراً مثل كل الموظفين الكادحين ، وقررت أنها فرصتي الوحيدة أن أجدك قبل الثامنة صباحاً .. “
طاردَتها نظراته متابعاً ، فأحست بغرابتها وحرارتها مما أخجلها فتوقفت ، انتبه بسرعة وردَّ :
" لاعليك … وأنا بدوري أعتذر عن فظاظتي .. والآن بم يمكنني أن أخدمك ؟ "
يا إلهي .. هذا آخر ما توقعته .. لم تأت لتسمع اعتذاراً ، لم تتوقع ، ولدهشتها الشديدة وجدته يتذكر الاسم واللقب أيضاً .
غاص قلبها هنيهة ، لابد وأنه يتهكم ، لذا همَّت بالخروج بسرعة وهي تقول : حقاً ؟ إنني شاكرة لك .. ولكن ما عاد الأمر يهم "
وبشيء من الحزم لم تستطع تجاهله : " أرشديني إلى ما هو مطلوب مني ، ولنرَ ما يمكن فعله "
عندما أغلق الهاتف في وجهها حانقاً ، طار صوابها يومها مع شعور بالإهانة ولكنها لا تدري لماذا أرادت مقابلته قبل أن تسدل الستار على موضوع لم يبدأ بعد .
وعندما لمست بارقة الاهتمام والحزم تلك لم يكن هناك بُدٌّ من ذكر حاجتها ، رغم إحساسها بثانويتها الآن .
" باختصار .. إنني أعمل في فرع لهذه المؤسسة ، وقد كُلِّفتُ بإجراء بحث قائم على ما درسناه في مرحلة الاختصاص ، ولكن اصطدمت بعدة عقبات منها عوز المصادر العلمية ، ولمّا كدت أتوه في فكرة من أين وكيف .. نُصحت بأن ألجأ إليك وذلك لاتساع دائرة اتصالاتك العلمية ، ولأنك المعلم الأول في المصلحة "
بدا صامتاً يفكر للحظات ، عله كان يتفحص نبرة الجد في صوتها : " على كل حال سأهتم بالموضوع .. اتصلي بعد يومين .. لنرَ "
وازدادت دهشتها عندما قال لها : " يمكنك أن تتصلي بالبيت حتى ولو كان الوقت متأخراً ليلاً ، سأكون غير مشغول كما أنا هنا " وهمّت بأن تعلق إلا أن جوابه علق الكلمات
على شفتيها : " لا .. لن تزعجي أحداً فأنا أرمل منذ زمن طويل .. ووحيد " .
رمشت أجفانها لتستوعب ما يقوله .. وتوقف ذهنها عندها ولمحت من خلال جملته الأخيرة بارقاً مبهماً أدركته بأنوثتها المتيقظة ، ولكنها أهملته عمداً .
وأوقفت الذهن عن أن يقوم بعمله من تحليل وتركيب لكنها لم تستطع أن تتجاهل طرباً خفياً ألمَّ بها هنيهة نابع من إحساس مبهم بالظفر .. واختلط هذا بجفلة غامضة .
رافقها إلى باب المكتب مودعاً بنظرة متفحصة في وجهها المتألق بملامح هادئة ونظرة متوهجة ، ولشدة حيرتها صمتت ولم ترد إلا بابتسامة ، وأدارت ظهرها لتغادر فأحست بنظراته تحرقها ، لذلك لم تلتفت وكانت متأكدة من أنه ما زال واقفاً ، ولم يعد أدراجه حتى غابت عن ناظريه عند المنعطف في نهاية الممر الطويل .
أطلقت زفرة وأخذت نفساً عميقاً عند الباب الخارجي وحاولت أن تقنع نفسها بأن كل شيئ سينتهي بانتهاء مهمتها .
كان ضحى يوم شتوي رائع والشمس تحتجب خلف غلالة رمادية شافة ، وديمة ناعمة تكسب وجه الأرض نداوتها ورائحتها العميقة .
كانت متوترة إلى أبعد مدى .. يحرك إحساسها شعور بالمغامرة غريب عليها ، هزت كتفيها متصنعةً اللامبالاة : على الأقل إنها تجربة جديدة .. وكل يوم يتعلم الإنسان درساً من الحياة لا تعلمه إياه الكتب .. المهم أنني واثقة من نفسي "
قالتها لنفسها بعفوية وكأن روحها استقرأت المستقبل بعين عرّافة .
فوجئت به في اليوم التالي يطلبها في مكتبها في الفرع التابع لمؤسسته ، لم يكن صوته على الهاتف يحمل الجديد بالنسبة لموضوع بحثها ، ولكنه لم يفلح أن يسد باب التساؤلات حين قدم مبرراً ساذجاً لاتصاله .
ضحكت في أعماقها ولم تكن بدورها فتاة ساذجة ، ومع أنها لم تخض تجارباً حياتية بمعنى الكلمة ، لكن صفاء سريرتها وذكاؤها الفطري ترجما ما لم يقال .
أدهشتها ترجمتها ، واتهمت نفسها بالتمادي غروراً ، أو بالاستهتار .. لذا حاولت طرد هذه الفكرة المبهمة ومع أنها نشأت في أحضان أسرة عرفت بالتدين السمح اليسير فانجذبت نحوه ولكن لم يكن بها ميل للتزمت أبداً وأشعرها طرب خفي بنشوة من نوع جديد غريب . سارت الأمور بعد ذلك على أحسن ما يرام ، بل ولقد نالت من اهتمامه القدر الذي لم تكن تحلم به ،
كان هو من يطلبها بين الحين والآخر مستفسراً ، أو عارضاً لاقتراح جديد يثري بحثها .. وقدم لها مساعدات مختلفة وبإحساس الأنثى أدركت أن موضوع بحثها لم يكن بحد ذاته ليثير اهتمامه .
كانت تنظر للأحداث المتتابعة بعين الدهشة ، تراقب نفسها وكأنها تراقب شخصية منفصلة عنها تقوم بدور على مسرح . أرضى اهتمامه غرورها . ورغم حذرها وخوفها ، لم تحسب حساباً لما يعتمل في صدرها في الخفاء . خلال هذه الفترة سمعت من الآخرين الكثير عنه ، عن مغامراته ، وأنه يعيش لدنياه بالطول والعرض ، وأنه مغرم بالجميلات ، وهنَّ يتهافَتْنَ على كسب وده كفراشات مبهورات بشخصيته القوية ومركزه الأدبي والعملي .
لكن هذا الأمر لم يشغل بالها فقد اختبرت صلابتها وعزة نفسها في مواقف كثيرة من قبل ،
تحدثت إليه بعفوية وصراحة وانطلاق ، وكانت تشعر بسعادة من نوع جديد .. ودائماً دائماً كان هناك ما يشدها ، ويبدأ الحديث بموضوع بحثها لينطلق بها بعدها إلى آفاق مواضيع أخرى لا تمت إليه بصلة ، لكنها كانت تكشف لها عن جانب من شخصيته خفي على معظم الناس وكان هو يتعرف على شخصية انجذب إليها بقوة ، ربما لأنها مثلت هذا الجانب الخفي فيه .
كان ينصت إليها معظم الأحيان وهي تتحدث بحماس وينتظرها إلى أن تنتهي من فكرتها فيُطلق تعليقاً بسيطاً مختصراً يحلق بها عالياً أو يقهقه بقوة بَهرتها .
" اعذرني لبساطتي أو لتقل سذاجتي .. " " لا لست بسيطة ولا ساذجة .. تعكسين عمقاً ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

واحة النور

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:24 م

واحة النور
 
 
 
 
 
 
 
ما إن همت العجوز بفتح باب شقتها حتى فتحت جارتها بابها على صوت رنين مفاتيحها ،
" أين كنت يا أم علي .. تفقدتك طوال اليوم .. والله لم أرَ أن أنام قبل أن أسلّم لك هذه
الرسالة " ، " رسالة ؟! " ، قفزت الكلمة من فم السيدة أم علي بوجل يشوبه أمل كبير ..
" من حسن ! بالتأكيد من حسن ! ومن غيره يمكن أن يرسل لي رسالة ؟! "
كانت الرسالة فعلاً من حسن أصغر أولادها ، الذي سافر إلى أمريكا منذ سنوات عديدة رغم معارضتها الشديدة تاركاً في قلبها جرحاً نازفاً .
قال في رسالته عدة أشياء ولكن دائرة الضوء تركزت على جملة واحدة من الرسالة : " سأصل يوم الأربعاء في الخامس والعشرين من الشهر الجاري .. " فاضت عيناها بدموع غزيرة ولهج قلبها قبل لسانها بأن الحمد والشكر لله ..
وسبحت الله كثيراً بعد صلاة العشاء ثم دخلت غرفة نومها واستلقت في سريرها القديم محاولة الخلود إلى النوم بعد أن رسمت في ذهنها ما ستقوم به قبل وصوله بالسلامة استعداداً لذلك .. ولم يتبق إلا أياماً قليلة .. رحلت بذاكرتها إلى الماضي القريب والبعيد .. فظلت تتقلب في سريرها النحاسي في غرفتها التي شهدت أيام سعدها وشقائها معاً ..
حسن آخر أبنائها الثلاث ، هم ولدين وبنت .. كانوا ثلاثتهم كل عالمها بعد أن رحل والدهم باكراً تاركاً لها حملاً ثقيلاً ناءت به .. ولكنها حملته كما هو متوقع من أمثالها .. جرعوا حنانها ثلاثتهم ولكن جرعة حسن كانت دائماً أكبر ، ربما لإحساسها بأنه الرضيع الذي حرم من أباه باكراً جداً .. فحاولت تعويضه .. أخته وأخاه كانا يكبرانه بسنوات كثيرة .. كان حسن هبة الله لها بعد أن فقدت الأمل بالإنجاب إثر عملية جراحية ..
فرحت بالحمل به كثيراً ، لكن فرحتها لم تتم .. فقد فقدت والده قبل ولادته بأيام .. وقد يكون هذا ما عجل بولادته .
أدارت وجهها صوب النافذة ، وكان القمر يوشك أن يكون بدراً ، يغرق بنوره الفضي غرفتها بأثاثها القديم الأنيق ، كان ضياؤه بحرٌ من نور ، ضمها وذكرياتها وأولادها من حولها ، وقد لُفّتْ هذه الذكريات بضباب الزمن الذي زاد من واقع الأمور “ رومانسية “ شفافة تلك الشفافية التي ساعدتها على الصمود .. على تذوق حلاوة الأيام رغم مرارتها ..
كانت الأمور تسير بنظام أمن رائع رغم مشاكل التربية الصعبة والمشاكل الحياتية اليومية ..
" آه يا حسن … كم غلّبتني في تربيتك .. رفضت إتمام تعليمك وقلت يومها : أتعلم صنعة ، حرفة ، ماذا تنفع الشهادة .. انظري لعلي يستجدي آخر كل شهر .. تركتك على هواك .. وتعلمت الصنعة التي أردت .. ومنيت النفس أنك ستمنحني فرصة للفرح الحقيقي بك وبأسرتك التي ستكونها في بيت العائلة وتملأها عليّ .. ولكن .. "
فاضت أشجان الأم على وجنتين حفر الزمن أخاديد عليهما ولكنه ما استطاع سلبها لونها العاجي وما استطاع أن يسرق تلك الملامح الأنيقة التي دلت على أنها ذات حسن عريق ..
" يا طفلي العاق .. آه يا حسن .. سبع سنوات تترك أمك للحسرة والشوق .. أضاقت الدنيا بك هنا ووسعت هناك ؟! "
كان قد بدأ بعزف نغمة واحدة .. “ الشغل واقف .. ليس لي محل خاص بي .. مجرد أجير .. "
وهكذا بدأ يتذمر من كل شيء في عالمها الذي بدا لها آمناً .. إلى أن جاءها بقصة السفر تلك ..
" سنة واحدة وأعود لك بمهر العروس .. وأثاث البيت .. وثمن محل .. " عارضت .. توسلت .. صرخت .. ما تركت وسيلة ..
ولكن عناده دائماً يغلبها ويغلبه .. لقد أغراه هذا المجهول ببريق أخاذ خطف بصره وصم أذناه ..
وراح فكرها يتنقل ما بين الذكريات تارة وبين ما ستقوم به خلال الأيام القادمة من أجل التحضير لاستقباله ..
كان نومها غفوات قصيرة في انتظار الفجر .. وجلست بعد الصلاة تنتظر تبين خيوط الشمس الأولى ..
لم تخف هناء دهشتها حين فركت عيناها لرؤية أمها تطرق بابها باكراً جداً على غير عادتها وامتزج التوجس بنبرة صوتها : " أهلاً أمي ! " ..
غمرت أمها تلك السعادة الطفولية مرة أخرى وهي تخبر ابنتها وأحفادها بعودة الأخ الغائب ، وبدا واضحاً أن نار اللهفة التي تأججت بالأمل مجدداً غلبت على كل حركاتها وسكناتها ..
بالطبع فرحت هناء ولكن ردة فعلها بدت باردة بشكل غريب أمام فرحة أمها التي راحت تنثر الكلام والقبلات .. حتى أن حفيدتها الأكبر ذات الأحد عشر ربيعاً علقت بدهشة على هذا التغيير الجديد الطارئ على جدتها الهادئة دوماً .. القليلة الكلام على الأغلب .. وارتمت في حضنها :
" جدتي .. أنت اليوم حلوة جداً .. "
وعند الباب التفتت إلى ابنتها قائلة : " الله يرضى عليك .. البيت بحاجة إلى تنظيف .. وأنا كما تعلمين لا أستطيع وحدي .. "
" نعم يا أمي .. ولكن كما تعلمين أيام مذاكرات الأولاد .. ومسؤوليتي مضاعفة .. البيت .. الأولاد .. الوظيفة .. والـ .. أو لم يتذكر إلا الآن .. أما استطاع أن يأتي في الصيف مثلاً .. "
وصمتت فوراً عندما لاحظت وجوم أمها ومسحة الكدر تعكر صفو وجهها المنير .. فاستدركت
" على كل حال سأبذل ما في وسعي .. مع السلامة يا أمي " .
قالت العجوز في نفسها وهي تنزل الدرجات بشيء من العناء : “ المهم أن حسن قادم .. ولن يكدرني شيء بعد الآن .. "
وفي بيت علي ابنها البكر ، كانت فوضى الصباح في أتونها ، الأولاد الخمسة يستعدون للذهاب إلى المدرسة ، وزوجة ابنها غارقة في زحمة الصباح هذه .. " أين صدريتي " .. " أين وشاحي " ..
" أريد عشر ليرات للمعلمة “ وتصرخ أمل “ تأخرنا يا الله .. أين الإفطار .. "
وتنادي زوجة الابن : " تعالوا .. الإفطار جاهز .. أعانني الله عليكم .. "
" تفضلي يا ماما .. تناولي معنا لقمة .. بالتأكيد لم تتناولي الإفطار بعد .. "
" صحتين يا بنتي .. صحّي لي علي .. "
" أو نام علي حتى يصحا .. أو يستطيع المرء أن يأخذ راحته في بيت كهذا .. "
" صباح الخير يا أمي .. أهلاً وسهلاً .. " وانحنى عليٌ يقبل يد أمه منكوش الشعر أحمر العينين من أثر التعب
" أترين مصيبة ابنك .. أسكن في مشفى مجانين وليس في بيت .. عن أذنك .. "
واستدار واضعاً المنشفة على كتفه ليغسل وجهه ، فلحقت به أمه .. وبدت حين نهضت بقوامها المائل إلى الطول والذي أحنته السنون قليلاً أنها احتفظت برشاقة نسبية إذا ما قورنت بنساء جيلها من وسطها .. وقد يكون هذا ما ساعدها على تحمل تعب السنين الطويلة وأن تعتني بنفسها في بيتها حتى إلى ما بعد الستين
" سيصل أخوك حسن بعد ثلاثة أيام .. "
" حسن ؟! .. أخيراً .. أخيراً تذكرنا ! .. ، تجاهلت الأم تعليقه البارد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نار الغضب

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:23 م

نار الغضب
          
 
 
            
 
 
 
وصلت إلى الضفة الغربية صباح ليوم مع زميلها العربي يحملان كميراتهما مستعدان فور الوصول لإنجاز المهمة التي حضرا من أجلها .
جرت نقاشات حادة ومطولة بينها وبين زميلها العربي الأصل الألماني الجنسية منذ بدء الانتفاضة ، قبل عدة أشهر .
" العرب قوم إرهابيون محدودي الأبعاد ، قاصري الرؤية ، يحركهم العنف الذي يجري بدمائهم في عدائيتهم للغير .. " ، " أوترينني هكذا ؟! هذا هو رأيك فيّ ؟! .. " " أنت شيء مختلف لأنك تربيت وتعلمت هنا في أوروبا … "
نشأت بينه وبين زميلته الصحفية الألمانية صداقة حميمة نسجتها ببراعة يد التفاهم والانسجام في التفكير وأسلوب العمل … ونجحا معاً على صعيد التحقيقات الصحفية عدة سنوات ، عرجا كثيراً في حديثهما على موضوع القضايا العربية والفلسطينية خاصة ، وكان واضحاً أن رأيها وليد جهود طويلة لتأثير الإعلام الصهيوني على الغرب ..
حاول كثيراً أن يصحح لها نظرتها الخاطئة .. وما استطاع إلا أن يثير شيء من تحديها له في محاولة لإثبات خطأه وتحمسه لبني قومه .
اتفقا على زيارة ساحة الأحداث بدافع تقصي الحقائق وفي داخل كل منهما تصور مختلف تماماً عن تصور الآخر .
لم يتصور أنه سيعود يوماً لوطنه ، أصلاً لم يكن هناك سبب ( برأيه ) لعودته .. حتى أحداث الانتفاضة تابعها كونه إنسان عربي وليس بكونه صحفياً .
تحركا في الشوارع وهدوء نسبي يخيم على طرقات القدس .. الجنود المدججون بالسلاح يتنقلون جماعات جماعات ، أو بالسيارات التي صفحت بالشباك المعدنية ضد حجارة أهل المدينة العرب .
حزن دفين يغمر وجوه الناس .. والكل يحاول أن تسير الحياة اليومية بشكل عادي .. لم يخلو الأمر من استفزازات الجنود الصهاينة لأهل المدينة من المارة وأصحاب المحلات والمصالح ..
وعند الظهيرة خرج أطفال وفتية المدارس وانسكبوا في الطرقات بمرايلهم وحقائبهم المدرسية .. ببراءة الطفولة وألق الشباب ..
لم تعرف " آنا " كيف بدأ هذا ولكن بعضاً من الأطفال والفتية كانوا يحملون حجارةلملموها على ما يبدو من الطريق ليرجموا الجنود الذين راحوا يرشقونهم بالطلقات المطاطية في بادئ الأمر ..
أصاب " آنا " الهلع إلا أنها استمرت في عملها تتنقل بخفة من حائط إلى آخر .. وما سمعها زميلها إلا وهي تصرخ فزعاً ، التفت ليراها تشير إلى طفل يحمله شاب أكبر منه وقد أصيبت عينه بطلقة مطاطية طارت بها وسالت دماؤه وقد أغمي عليه
ففي شارع آخر كان الجنود يجرون فتاة من شعرها إلى سيارة الاعتقال .. وأمها ترتمي على الجنود لتخليصها وهم يدفعون بها بوحشية مرعبة ..
استمرت كاميرتها في " الطقطقة " طوال الوقت .. أحداث متتالية مرعبة إلى حد الموت …
أكثر ما أثار فزعها وجعل قلبها يغور ألماً هو منظر جماعة من الجنود يقبضون على شاب أعزل بينما أمسك آخر بهراوة ضخمة يكسر بها ذراعي ذاك الفتى الذي دوت صرخاته فصمّت أذنيها ، أغمضت عيناها وركضت في اتجاهٍ آخر … ظلت تركض وتركض من هول ما ترى - منتهى الظلم - منتهى الجبروت والاعتداء الآثم على شعب أعزل ، كل أسلحته حجارة الجدران والطرقات . بدت الحقيقة سافرةً لا يمكن تزويرها .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من مذكرات مدرسة

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:22 م

من مذكرات مدرّسة     
 
 
 
 
 
أزعجها أن يقطع عليها آذن المدرسة درسها بطرقه باب الصف وإبلاغها أمر الإدارة بالنزول فوراً إليها .. " حسناً سأكمل الفكرة ثم أنزل بعدها " .. " آسف يا آنسة ولكنهم أمروني أن تنزلي فوراً لأمر ضروري .. "
خمنت الأمر للتو .. الأمر يتعلق بالتأكيد بما حدث في الأسبوع الماضي في غرفة إحدى صفوف الشهادات التي تقوم بتدريسها ..
ولكنها مع ذلك تابعت إنهاء الفكرة ، ثم اعتذرت من طالباتها وهي تلملم أشياءها وأدواتها من على الطاولة وحملت حقيبتها : " أراكم في الغد يا صبايا " ثم أردفت " إن شاء الله ! " وشيعتها أصوات طالباتها وقد أثار هذا النداء المفاجئ غير المألوف استغرابهن : " خير يا آنسة ؟! " ، ردت “ خير إن شاء الله .. "
وخرجن وراءها تشيعها أبصارهن مشفقات وهي تعبر الباحة إلى غرفة الإدارة علهن يستطلعن الأمر ، بعضهن مدفوع بالقلق عليها وبعضهن بالفضول .
جالت ببصرها في أرجاء غرفة الإدارة .. أربكها المنظر قليلاً ، تعترف بهذا ، فهي لم تعتد مثل هذه المواقف طوال السنوات العشر مدة عملها بالتدريس في ثانوية البلدة ، .. وقد عرف عنها إتقانها لعملها وإخلاصها له .. خاصة وأنها تعتبره فن وموهبة ، وقد اكتشفت في نفسها موهبة التعليم وكرست لها كل جوارحها .. واعتبرتها طريقها لتوصيل رسالتها في الحياة .. فهي لا تعلم مادة درسية فقط .. لا تزرع معلومات فقط .. بل تزرع معها أسلوب حياة ، وأسلوب تفكير .. فالمهنة بالنسبة لها هي التربية قبل التعليم ، وقد آمنت أن مهنتها تقوم على تدريب العقول والنفوس وحثها على التفكير والاستنباط ، ودفعها على العمل للاكتشاف والتعلم الذاتي .
كلام .. كل من سمعه قال : " كلام رائع .. نظرياً رائع .. " .. ولكن من يفهم ؟ ومن يقدر ؟!
“ هل تتقاضين أجراً يستحق تعبك ؟! " سؤال فيه الكثير من المنطق ولكنها لا تستطيع أن تفكر بهذا المنطق وبالتالي لن تعمل وفقه .. رغم أن الحق معهم ، كل الحق !
لم تعتقد أن تطرح أفكارها ، بل اعتادت أن تعمل وفقها ، خاصة على أناس لم يملكوا الاستعداد والأدوات لإدراك وجهة نظرها ، تخشى أن النقاش غير مجدٍ وأنها ستتَّهم بالسفسطة في هذا العصر المادي .. الذي يطحن فيه المرء تحت وطأة عبثه المتزايد يوماً بعد يوم .. ويلهث فيه رب الأسرة وراء " جزرة " لقمة العيش ولا يحصلها ..
امتلأت الغرفة بالعديد من الأشخاص ميزت منهم مندوب النقابة وهيئة إدارة المدرسة وعلى رأسهم المديرة وبأناس آخرين عرفوا عن أنفسهم بأنهم من هيئة الرقابة والتفتيش المركزية ..
هكذا إذاً !! وصل الأمر لحد لجان التحقيق !! وابتسمت في سرها ..
طلب رئيس اللجنة أن يخرج الجميع ما عداها ، مع اللجنة ومندوب النقابة ، فنهض وجلس قريباً منها ، حياها مرة أخرى بلطف واحترام وبدأ بسؤالها ..
في البداية كانت الأسئلة عامة .. عن مهنة التدريس ، عن أوضاع التعليم ، سبل تطويره والمشاكل التي تعترض هذه السبل .. كانت إجاباتها موضوعية وواضحة ، وهذا ما ترك انطباعاً مبدئياً جيداً عنده ..
انتقل بعدها إلى الموضوع مباشرة : " وصلتنا شكوى عن أفعال تقومين بها داخل الصف أثناء الدرس مما يضيع الوقت على الطالبات ويصرف انتباههن عن المادة الأساسية ، وعندما نبهتك إدارة مدرستك للأمر قمت بتحديها بالتمادي ، وذلك بتكرار ذلك السلوك ، مما يحرج موقف الإدارة ويمس بهيبتها واحترامها أمام الطالبات ، ما ردك ؟! " ..
انعكست الابتسامة في سرها شبحاً على شفتيها ، ونظرت مباشرة في عيني المحقق بقوة وجرأة الواثق : " وهل سيكون لردي اعتبار عندك ؟! "
" ومن أوحى لك عكس ذلك ؟! " ، " هذا لأنني حاولت جاهدة " ، وعلى مدى سنوات ، أن أشرح وأثبت وجهة نظري دون أن ألقى الصدى المفترض ، فتوقفت عن الكلام وتركت نتائج نجاح طالباتي تتكلم عني وتثبت صحة وجهة نظري " ..
" وكيف ذلك ؟! " ، " إن طلبت من الإدارة نتائج امتحانات الشهادات لعدة أعوام خلت حتى العام الماضي ، ستجد جواباً عملياً عن ما إذا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قالت الصحف

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:20 م

" قالت الصحف "
 
 
 
 
 
 
 
كان الصباح الأول لها في هذه المدينة الغريبة الحلم .
وأخيراً تحقق لها ما تمنته طويلاً ، أن تقبل في أحد مراكز البحوث الدولية المحترمة بعد أن رشحها المركز الوطني للعلوم البيولوجية في بلادها وبالتأكيد ، فقد تم اختيارها في وطنها من قبل البلد المضيف بعد دراسة عميقة جادة أثبتت فيها قدرات عقلية وشخصية جيدة ، لابد وأن كلا الطرفين توسما فيها الجدارة .
كان أملها أن تخوض في مجال علم الجينات الذي بدأت أهميته وخطورته تلح بقوة على مستقبل الجنس البشري ، وكانت تعلم أن فرصتها في سبر أغوار أسرار هذا العلم الدقيق متوقف على جهودها وحدها ، فبقدر ما تثبت جدارتها في تقديم شيء مهم لهذا المركز بقدر ما يسمح لها بالاقتراب .
وظنت بأن هذا لن يكون مستحيلاً .. فقد قدمت لهذه البلاد مشحونة بفكرة عقلانية وموضوعية هذه الحضارة في كل من شؤون العلم وشؤون الحياة على السواء ..
وجاءت متطلعة إلى جو الحرية والديمقراطية وعدالة الفرص في مجتمع يثبت فيه المرء وجوده ويكسب احترامه لذاته واحترام الآخرين له بعمله وقدراته .
الآن سوف تعتصر الحضارة " السوبر " كل إمكانياتها لتتفتح في جو الحرية هذا ، الحرية … الحرية … ذاك الهواء السحر الذي ما إن تتنشقه حتى تعود إليك إنسانيتك بكل ما حباها الله من روعة وبهاء .
ومنذ اليوم الأول تأكدت لها فكرتها عن أولئك القوم ، عقلانية ، موضوعية ، ودقة العمل المرسومة بإطار من القوانين الذكية التي تضبطه وتحافظ بنفس الوقت على مدى الحرية اللازم للإبداع .
كانت التجربة الجديدة تحدٍ حقيقي لأمور كثيرة في عالمها منها كونها أنثى .
في البداية كانت إقامتها في سكن خاص بالباحثين الدارسين ليس ببعيد عن المركز وعبارة عن وحدة مستقلة ضمن بناء سكني كبير ، تتألف من غرفة ومطبخ صغير مع حمام خاص ، وقد حاولت منذ اليوم الأول أن تجعل فيه رائحة بيئتها ووطنها لتخفف من شعور الغربة الذي لازمها رغم سعادتها بهذه الفرصة .
قطن البناء طلاب باحثين من العديد من الجنسيات منهم عرب وآسيويون وأفارقة وحتى أمريكيون من الولايات البعيدة ، لكل منهم عاداته الحياتية الخاصة ببيئته ، ولكنهم جميعاً يصبون في بوتقة العمل في المركز وينتظمون عبر قوانينه .
تعرفت في غضون أيام قليلة في بداية العام الدراسي على طبيعة العمل ونظام الدراسة وكان لها مشرفاً مباشرا خاص بها من أساتذة المركز وباحثيه … وقالت في نفسها راضية : " ما سأجنيه من هذا النظام من فائدة على شخصيتي لن يقل بحال من الأحوال عن الفائدة العلمية التي أنا هنا من أجلها أصلا " .
وسار كل شيء على ما يرام .
بهرتها نوعاً ما هذه الحياة المتقدمة وهذه التقنية المتطورة وأعجبت بمدنية هذه البلاد التي تحكمها أنظمة وقوانين دقيقة يعنون بفعاليتها دائماً أو هكذا خيل لها .. فالناظر إلى مظاهر الأشياء لا يرى دائمة ما يراه الغائص في أعماق حقيقتها .
لقد تكررت ملاحظتها لأمر غريب أثار دهشتها وحرك خيطاً دقيقاً من الخوف في داخلها - ظنت في البداية أنه مجرد تصرف خاص بأناس غريبي الأطوار ولكن ما حدث بعد ذلك كان له وقع الصدمة .
رأت العديدين من حولها ، بدايةً من سائق الحافلة إلى ضابط الأمن إلى بعض الزملاء وحتى بعض الأساتذة ، يوماً بعد يوم بخد منتفخ محشو بكرة كبيرة ، بشيءٍ يمضغ ببطء وكأنه حلوى تستحلب لطعمها أو وكأنها مضغة " قات " ، - تلك الأوراق الخضراء التي تتعاطاها بعض الشعوب على أنها مادة منشطة وهي في الحقيقة نوع من المخدرات - ، إلا أنها اكتشفت أنها لا هذا ولا ذاك ، عندما رأت عاملة الاستقبال في المركز تحشو فمها بقطع من ورق الجرائد ( الطازجة ) أثناء احتسائها قهوة الصباح ، ردت العاملة بابتسامة بريئة عندما لاحظت تحديق الدهشة في عينيها : " كنت متأخرة اليوم ولم يتسنى لي تناول وجبة الصباح " .. ابتعدت عنها لتستمر تلك في تكوير أوراق الصحف في تجويف خدها وتحتسي القهوة …
في المساء عند عودتها إلى مجمع سكن الطلبة لاحظتهم مرة أخرى يتحلقون في القاعة الرئيسية حول جهاز التلفزيون يبث نشرة الأخبار العالمية ومن بعدها المحلية ، وعيونهم مثبتة بطريقة غريبة وكأنها أخذت بشعاع ما ، ثم فجأة يلتفت كل منهم إلى وجهته بعد انتهاء النشرة وكأنهم يتنقلون متحررين من سلطة هذا الشعاع الأزرق ، بدى الأمر غريباً ولكنها تجاهلت السؤال الذي بدأ يتضخم في داخلها ، خشية أن تبدو فضولية متخلفة.
وفي اليوم التالي وأثناء فترة الاستراحة الصباحية لمحت الأستاذ المشرف يجلس إلى طاولة إلى جانب النافذة فتوجهت نحوه لتسأله أمراً ما ، لتجد خده منتفخاً بذات المضغة يستحلبها في فمه …
ورأى أنها تحدق في خده ولكنه بادرها بالحديث بشكل عادي تماماً … إذاً ما كان في فمه هو ورق جرائد .. هذا الرجل الذي رأته يتمتع بقدر كبير من الذكاء والعقلانية والاتزان يمارس نفس العادة …
وبات أمر رؤيتها للخدود المنتفخة كابوساً يسيطر على أحلامها والجميع يطاردها بسؤال واحد وبنبرة من الاستعلاء ممزوجة بالاستغراب تسبب لها الألم : " ألا تتناولين الصحف ؟! " ، " إنني أقرؤها ! " ، حتى عندما رافقت زميلة لها من أهل البلاد في زيارة لأهلها في منزلهم في إجازة عطلة نهاية الأسبوع ذات مرة ، لم تستطع تجنب الفزع الذي بالكاد استطاعت إخفاؤه ، من الطريقة التي تحلقوا بها جميعاً في المساء حول التلفزيون يتابعون الأخبار والتحليلات السياسية وتصريحات رجال الدولة ، مستسلمين تماماً لشعاع أزرق يأخذ بألبابهم .
كانت معاملتهم لها غاية في التهذيب والتحضر ، وكانت آرائهم في الحياة بل وطريقة تعاملهم بوعي واحترام كل منهم لشخص وكيان وتفرد الآخر مثار إعجابها ، وبدا الجميع يتصرفون بطريقة عقلانية عملية متحضرة وكأن أمر المضغة والأشعة التلفزيونية الزرقاء هو طقس من طقوس حضارتهم في حياتهم اليومية .
عندما أتعبها ذاك الأمر كثيراً .. قررت تجاهله والتعايش معه ..ولتعتبرها عادة خاصة بهم كشعب كما هي عادة رياضية اليوغا الخاصة بشعوب الشرق الأقصى مثلاً …
وبقي نفس السؤال يطاردها وإن توقفوا عن طرحه شفهياً أي أن نظرتهم المشوبة بالاستغراب والاستعلاء بقيت تؤلمها .
" ألا تتناولين وجبات الصحف ؟!! " هل هذه هي الأحوال عندكم ؟! " وتجيب بتحد وألم " أنا أقرأ الصحف المحلية والعالمية !! نحن نقرأ الصحف كل يوم !! " " هذا طبيعي .. كل يوم !! "
ولولا أنها أثبتت جدارة في حقل عملها ودراستها وأظهرت قدرات محترمة لما استطاعت الصمود من داخلها .. وهذا ما ساعد على نوع آخر من احترامهم لها .. وبقيت تهتم أكثر بمسؤوليتها كان دافعها في البداية حب العلم الفطري لديها ورغبتها في تقديم شيء ما لأمتها والآن أضيف سبب جديد هو إثبات الذات الذي بات يتخذ هوية أكثر من فردية ، كانت شخصية منفتحة بوعي تملك قدرة على اكتساب محبة وثقة الآخرين وهذا ما جعل زملائها حولها من كل الجنسيات يتعاملون معها بارتياح ..
لكن محمد الذي قضى سنوات قبلها في هذه البلاد وهذا المركز أقرب الزملاء إليها هو شاب متميز بتألق ذكائه .. ولفت نظرها بدماثته ونبل معاملته .. ومازالت تربيته الجيدة في بيئة واعية مثقفة على ما يبدو ذات تأثير واضح عليه وهي من ضمن ما أكسبه هالة من الاتزان .
تدرجت في معرفتها به إلى الحد الذي يسمح للأصدقاء بتبادل الحديث عن الأحلام وعن الطموحات عما يفرح وما يؤلم .. عن تلك المشاعر الدفينة التي نحجبها عن كل الآخرين عدا من نلمس أنه يفهمها ويقدرها ويصغي جيداً إلينا ونحن نلقي بها وكأننا لم نخرجها عن حيز أنفسنا.
كان يحلم بال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رحلة

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:19 م

رحلـــــــــــــــة            
 
 
 
 
 
 
 
جرت أقداماً متثاقلة على سلم الطائرة ، يحدوها المسافرون من أمامها والمضيفة خلفها ، التفتت عند وصولها آخر درجة وقبل دخولها مركبها إلى حياتها الجديدة ، لتودع عالمها الماضي بأرضه وأهله نظرتها الأخيرة .
قادتها المضيفة اللطيفة إلى مقعدها بجانب الكوة الصغيرة المستديرة فرمت بنفسها عليه مطلقة آهة مكتومة حمَّلتها كل المخاوف .
بدأت الطائرة بالتحرك ، ثم ارتفعت في سماء العاصمة الزرقاء ، غامت عيناها برؤى أرضها وقد زادته سحابة الدموع في عينيها جمالاً ضبابياً حرك حنيناً دافئاً مختبئاً وكأنها طفل يبتعد عن حضن أمه لأول مرة عنوة ، ولم تتمالك نفسها ، وما استطاعت حبس كل الدموع التي أغرقت حنايا صدرها ، وفرت دمعتان مسحتهما سريعأً قبل أن تلحظها جارتها في المقعد والتي لم تكن تنتبه لوجودها مع طفلها الرضيع قبل اللحظة .
" عروس ؟ " بادرتها المرأة باسمة متلطفة .
أجل كل ما فيها ينطق بهذا ، زيها الأبيض .. زينتها الملائكية وباقة زنبق أبيض بين يديها . ..
" نعم عروس " ماضية ، وإلى أي مصير .. الله وحده أعلم ! ، واستدارت برأسها نحو الكوة المستديرة ، وتلاحقت الصور في ذهنها .. لتغرقها مرةً أخرى في أفكارها المتخبطة وفي مخاوفها .
لا لم يكن قريباً لها ، عرفته ؟! .. لا لم تعرفه أبداً بعد…
حدثته أجل ولكنها لم تفهمه … ولعله أيضاً لم يفهمها..
خطبها بعد أن صدف ورآها في حفلة عند أقارب لها في العاصمة ، وكانت مقيمةً عند هؤلاء الأقارب فترة دراستها الجامعية وكان هو في إجازة قصيرة من عمله في بلد أجنبي درس به وتخصص ثم تابع عمله هناك ملبياً إغراء فرصة العمل الجيدة التي لم تسنح له في بلده ..
شدّته أناقة جمال ملامحها وقوامها ، وشدته نظرة الإباء والجرأة في عينيها مكللة بتخفرٍ يدل على تربية سليمة وخلق قويم ، وربما كان هذا ما شد الرجل العربي في صميمه وإن تقمص ثوب الغرب شكلاً و سلوكاً ظاهرياً ..
جاءت موافقتها سريعة دون طول تردد ، لا لحماسها الشخصي للعرض رغم مغرياته ، فهو شاب ذكي ناجح من أسرة تتناسب وأسرتها من الناحية الاجتماعية ، بل وتفوقها من الناحية المادية ، وسيم ، قوي الشخصية .
إذاً لم يكن حماسها الشخصي ، بل كان حماس الأهل الذي قضى على كل تردد لديها قبل أن يولد وهي القادمة إلى عالم التجربة حديثاً ، دون أية خبرة تذكر .
هذا بالإضافة إلى أنها لم يكن لديها أي ارتباط عاطفي بأحد ولا حتى عندها تجربة مسبقة من هذه الناحية بالمعنى الحقيقي للتجربة … كانت أحلاماً ورؤىً تخص مراحل عمرها بتدرجها الطبيعي .
ولم التردد ؟ وهذا ما تحلم به كل فتاة .. إن لم يكن الشاب بحد ذاته فهو السفر إلى العالم الأرحب   الانطلاق … مع مستقبل مضمون …
طالت مدة الخطبة ، ثلاث سنوات كاملة ، تبادلا خلالها رسائل تطور مضمونها ولكنها بقيت تميل إلى الرسمية شيئاً ما ، دارت كلها حول الدراسة ، العمل ، روتين الحياة ، عن أخبار الأهل .. ولكن القليل عن تلك الأسرار الدفينة التي تميز كل روح عن الأخرى ، فتنجذب هذه لتلك لتطمئن لها وتنشد عندها الدفء والأمان ، أو تنفر هذه من تلك ليبتعدا دون جدوى من المحاولة .
حتى لقاءه كان محدوداً مقيداً بظروف عمله وسفره ، مقتصراً على إجازات صيف مقتضبة تضيع كلها في إطار الأسرتين تقريباً … لكنها تمنت في قرارة نفسها أن يقوم بخطوة ما تقربه منها أكثر ..
تمنت ذلك لا لرغبة طائشة ، ولكن لتسد الدرب على مخاوف بدأت تزحف الطريق إلى قلبها وعقلها معاً ..
فهي تدرك أن ارتباطاً كالذي يرسم له بينهما هو شراكة مقدسة في كل مجالات الحياة بل هي من أخطر أنواعها ، وهي تستحق التمحيص الجاد حتى في أغوار نفسها وعواطفها ..
وتحول قلقها إلى خوف واضح .. ، وكلما اقترب موعد سفرها إليه كلما أحست شعوراً بالغربة يتضخم إلى شيء رهيب يسد أفق عقلها ووجدانها .
فاضطربت أيما اضطراب ، وتداخلت الأفكار تتصارع في ذاتها ، سنوات ثلاث قضتها بعد الخطبة حافلة بالأحداث على كل صعيد ،و بالنسبة لفتاة قادمة من مجتمع ضيق شبه ريفي إلى مجتمع العاصمة الأوسع ومجتمع الجامعة الذي كان أكثر اتساعاً بسلبياته وإيجابياته بالعلاقات الجديدة مع بيئات مختلفة وشخصيات متنوعة . فتحت لها نوافذ لتطل منها على مشاهد جديدة فتلونت رؤاها من جديد بألوان جديدة و قدم كل هذا الكثير لشخصيتها وآفاقها وساهم في بلورة العديد من المواقف والآراء عندها ..
وكانت هذه المرحلة من أكثر المراحل تميزاً في عمر تكوين هذه الشخصية وهذا الفكر .
قَدِمَتْ بنقاء سريرة وإحساس مرهف وضمير حي يتقد حماساً اهتز فرحاً أو ألماً مع كل حدث مر به وطنها الصغير بيتها ، ثم وطنها الكبير وهمومه الكبيرة وأحلامه الأكبر .
لم تفقد شيئاً من هذا النقاء وهذا الحماس بل زادته الخبرة قدرة على تحسس وفهم ما ي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دعوة

كتبها سمر شيشكلي ، في 7 حزيران 2007 الساعة: 18:18 م

دعــــــــوة                       
 
 
 
 
 
 
 
وجهته إدارة السماء إلى مدار فلكي جديد ضمن خطة كونية في نظام هذا الفضاء ، وكانت لهذا الكوكب الصغير آمالاً عريضة بأن يطل مساره الجديد على سحر الكون الأرحب ، يرى منه تلألأ نجوم وتوهج شهب وولادة شموس جديدة ، ليستقبل من ألقها إضاءات سحرية تنير عالمه إن لم تكسبه نوراً ذاتياً .
توضع بسلام في هذا المسار الجديد بروح متوثبة ظمأى للروعة والجمال بمعانيها السامية الفريدة .
كان فلكه هذه المرة متميزاً ، لم يكتف له باتخاذ شمس ما مركزاً له يدور حولها ليدخل ضمن نظام مجموعتها ، كان له حظ اتخاذ مسار شهاب يعبر أطراف الكون الفسيح عبر أقطابه ، إذ لا شرق ولا غرب هنا ، ما أعطى له فاق خياله .
رأى الكثير ، وهو كثير من ميزات محدوديته ، وكان سعيداً بالتقاط الصور في الذاكرة ليكون وجدانه الخاص ، قيل له " كلما رأيت أكثر واستوعبت حقيقة ما ترى كلما ازدادت تركيبة تربتك الهشة صلابة وصمدت في الكون العاصف يحمي وجودك الأبدي هذا التشرب والتمثل لحقائق الكون حولك " .
وانطلق متلهفاً ليعب مما يرى ويختبر ، متسلحاً بتعليمات وتحذيرات حول خارطة فسحة تجواله ، وبإرادة قوية تحفظ ما سمح به وما حرم عليه .
ومن بعيد لاح له نجم يتلألأ بلمعان من أجمل ما رأى ، وجذبته فرادة جمال هذا النجم ، وزاد في بهائه بالنسبة له سرٌ استعصى عليه فهم ماهيته في البداية .
اتخذ مساره مروراً طبيعياً قريباً من موقع هذا النجم ، لكنه توجه إليه بجوارح متيقظة وحدس روحي يخبره أن المعرفة الخالدة التي طلبت منه لاستمرار وجود وعيه الكوني تتخذ آفاقاً رحبة ، دار حول هذا النجم الدورة الأولى مستكشفاً ، وما زاده ذلك إلا انجذاباً وإثارة .. توهج بألوان أصلية أعطتها قيمتها العالية ، جعل الدورة الثانية أقرب سمتاً فكان ما رآه أروع ، هذا الوميض الصادر بين الفينة والفينة كان يصيبه بنشوة شفافة تريح أعصاباً تعبت مما رأت من سابق بشاعة ، فالكون غني بالمتناقضات وضعت عمداً ليظهر الجمال أكثر جمالاً والقبح أكثر قبحاً .
وبعد الدورة الثالثة انتبه النجم الغافل عنه الفعال بذاته لتواجده الحديث ، ولفت نظره هذه المراقبة ، أبصار هذا الكويكب شاخصة أبداً عليه ، تحاول رصد كل ومضة منه ، فيفلح أحياناً ويفشل أحياناً أخرى .
كاد يطير فرحاً عندما شق جدار الصمت وانفتح حوار … حوار عابر لكنه عنى له الكثير ، تمنى أن يتوقف تمدد الكون هنا ليسمح له باحتواء اللحظة كاملة وأن يبقى قريباً .. وشعور غامض يلح عليه أنه ينتمي لهذا النجم بطريقة أو بأخرى .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي