مطلوب خصوصية
أمي .. أمي "
كرر النداء مرة أخرى عندما لم يحظ بإجابة فورية ، كعادته ، دائماً ، ودائماً كان يُنهر من كل أفراد العائلة بسبب ذلك .
أمي ! .. أمي ! "
رفع نبرة صوته هذه المرة بحدة أكثر ودون فاصلة : " أمي ! أمي ! أمي ! " وهو يدور في أرجاء الشقة الصغيرة باحثاً عنها .
بدا عصبياً أكثر من المعتاد وقد شاب لهجة نداءه قلق ما ، لم يعتد ألا ترد عليه أمه وفوراً ، فالشقة الصغيرة المؤلفة من ثلاث غرف وصالون صغير والتي لا تتجاوز مساحتها الإجمالية حتى مع شرفتها الصغيرة التسعين متراً ، لا يمكن أن تحجب نداءه العالي ولا حتى نداءه الهامس عن كل فرد من العائلة في أي ركن كان ، وحتى عن كل فرد من الجيران في الشقق المجاورة والتي في الدور الأدنى أو الدور الأعلى ، فهي على قول أمه : " علب كبريت ، الحمد لله على كل حال ، أفضل من لا شيء ، أو من بيوت الأجرة ! " .
" هديل ! أين أمك ؟ " سألها وعضلات وجهه المدور تزداد تقلصاً وحاجبان يشكلان رقم ثمانية " كما تصفه أختاه دائماً لتستفزاه انتقاماً من معاكساته .
أجابته هديل أخته التي تكبره بعدة سنوات ، بشيء من النزق : " يعني أين يمكن لها أن تكون !! اذهب إليها في غرفتها ! " .
ـ ليست في غرفتها ! " .
ـ في المطبخ ! "
قالتها بمزيد من الضجر ،
ـ " ليست في المطبخ ! "
ـ لست أدري : اذهب وابحث عنها ! ألا ترى أنني مشغولة " .
خرجت الأخت الكبرى من الغرفة المجاورة ، غرفة الضيوف التي احتوت مجموعة أرائك ومكتبة ضخمة بالنسبة للمكان لكنها بسيطة وأنيقة ، بركن يضم نباتات زينة منزلية خضراء ، لقد اضطرت الأسرة لاستغلال زاوية من الغرفة على ضيقها ليفترشه مكتب هبه الابنة الكبرى عندما دخلت الجامعة ، لتدرس عليه وتحتفظ فيه بكتبها ودفاترها وأدواتها ، إذ لم يعد بالإمكان أن تجتمع مع أختها وأخيها في غرفة واحدة للدراسة ، لقد ضحت أمهم بأناقة غرفة الضيوف من أجل منع قيام الحرب العالمية الثالثة في الشقة الصغيرة بعد ظهر كل يوم ، ولكنها اشترطت عليها أن تحافظ على ترتيب المكتب ، خشية مداهمة أحد الضيوف ، " وقفش " المكان في حال فوضى مزرية ، والسبب الثاني للتضحية كما قالت لها أمها : " سوف أحاول توفير شيء من العزلة للخصوصية اللازمة للتركيز في الدراسة ، فأنا أعرف كم هذا مهم " .
خرجت إذاً هبة غاضبة متوجهة مباشرة إلى أخيها الذي كان يدور مثل دمية ميكانيكية :
ـ ما بك ؟! ألا يستطيع المرء أن يهنأ بشيء من الهدوء في هذا البيت ؟! يا أخي إذا لم يكن عندك دراسة ، غيرك عنده ! أتفهم ؟! حاول ألا تكون أنانياً
والتفتت إلى هديل :
ـ وأنت ، ألا تعلمين أن صوت موسيقى مسجلتك يصل إلي كما هو ؟! " ألا يكفي تلفاز أبيك ؟! "
قاطعها الصغير بنبرة توحي بأنه سيبكي :
ـ " أمك !! أين أمك ؟ … لا أجدها في البيت !! "
"ـ ما هذا الكلام ؟! هل سألت والدك ؟ "
"ـ إنه يتابع الأخبار ولم يرد علي .. إن سألته مرة أخرى سيغضب " .
"ـ يعني أين ستكون ؟! لعلها في الحمام ! "
"ـ ليست في الحمام أيضاً .. "
ولم تنتظر جملته الأخيرة واستدارت باتجاه الحمام وقصدته ببضع خطوات .. الحمام كان مضاءً كالعادة دائماً .. فهم ينسونه ثلاثتهم رغم تنبيهات الوالدين :
ـ " لست أنا ! " ، " ولا أنا " ، " ولا أنا بالتأكيد ..
تجيب أمهم :
ـ " إذاً فهو أنا !! " تقولها بنبرة المغلوب على أمره
لحق الاثنان بأختهم الكبرى حيث يجلس والدهم على أريكة مختصرة شأن كل البيت وأشياءه ، قبالة التلفاز وبيده جهاز التحكم لا يفصل بينهما أكثر من متر ونصف المتر ..
بادرهم بالسؤال دون أن تفارق أنظاره الشاشة : " ما بكم ؟ "
" أين ماما ؟ "
أجابها بنبرة حيادية : " كانت تجلس إلى جانبي منذ قليل .. أنامت ؟ "
" بابا .. ماما ليست في البيت !! " تهدج صوت عمار عند هذه الجملة التي جعلت والده يرفع نظره من على الشاشة الصغيرة إليهم وقد انتصبوا ثلاثتهم أمامه في الصالون الصغير الذي يؤدي إلى غرفة الأولاد ، والذي شغلوه كغرفة للمعيشة والطعام والسهرة ، وحتى لاستقبال بعض الضيوف إن شغلت الغرفة الأساسية بضيوف الأب ، كل زاوية من المكان استغلت إلى أقصى حد حتى الجدران شغلتها رفوف للكتب التي ضاق بها المكان على ضيقه ، ومع ذلك لم يخل من لمسة أناقة تتسم بالبساطة الراقية ، قطع خزفية ناعمة تناثرت في الزوايا على الرفوف ، زهريات ورد بعضها ملئ بتشكيلة من الورود البرية المجففة بتنسيق جميل ، وتركت زهرية في كل غرفة من أجل ورود الموسم الطبيعية ، قالت الأم : " همٌ وفوقه غم ؟! لا والله !! إن كنا بعيدين عن الطبيعة فعلى الأقل نسمة منها .. وفرشت طاولة الطعام الصغيرة بمفرش أبيض طرزت عليه ربة " الشقة " عناقيد عنب وأوراق خضراء : " هذه دالية عنب ، يافعة صيفاً وشتاءً "
اعتدل الأب في جلسته بعد أن كان يميل بجسمه كله إلى الأمام منهمكاً بمتابعة برنامج سياسي .. نظر إليهمثم نهض وهو يتمتم : " يعني فتشتم كل البيت؟! "
وهمست هديل لأختها الأكبر : " فتشنا قصر السلطان عبد الحميد كله واستعملنا المكبرات .. "
لكزتها هبة بكوعها وعضت على شفتها السفلى محذرة .
دخل غرفة نومه وظلوا ثلاثتهم عند الباب لأن الفسحة المتبقية منها بين السرير والخزانة وطاولة الكومبيوتر لا تسمح بمرور أكثر من واحد منهم ، أو أن يصطفوا طابوراً مؤلفاً من فردين .
" ماذا كانت تفعل ؟! ألم تقل لك شيئاً ؟! هبة ! هبة ! أنت ! " وانتبهت من شرودها فتلعثمت
" لا .. لا لم تقل ! كانت في غرفة الضيوف قبل قليل ، جلست أمامي قليلاًثم خرجت .. أظن إلى المطبخ … "
قالت هديل : " نعم .. لحقت بها إلى المطبخ .. لم تكن تضع العشاء .. لا أدري ماذا كانت تفعل أردت أن أخبرها بشيء .. لم تكن تصغي إلي .. وفجأة طلبت مني أن أعود لغرفتي .. لوظائفي أقصد .. "
كانوا يتحدثون إلى والدهم وهم يدورون ورائه من مكان إلى آخر .. فتح باب الحمام المضاء دائماً .. لم تكن هناك .. قال عمار : " دخلت ورائها إلى الحمام أسألها شيئاً .. لم ترد علي ، نظرت إلي طويلاً ثم خرجت .
استُغلَّت جدران المطبخ وحتى الحمام لبعض خزن تتسع للأدوات الأساسية لهذا وذاك ، المطبخ يكاد لا يتسع لأكثر من فردين ، والثالث يصبح عبئاً يعيق الحركة ويسبب الإرباك ، الثلاجة في زاوية والفرن في الأخرى ومنصة الحوض على جانب وعلى ال






















